الاقتصاد المصرى يستعيد توازنه تدريجيا

 

دكتور محمد مصطفى محيي – باحث اقتصادي

خلال الفترة الأخيرة، أظهر الاقتصاد المصري تحسنًا ملحوظًا مقارنة بأسوأ مراحل الأزمة التي اجتازها، مما يشير إلى تجاوز أصعب فترات الضغط، رغم أنه لم يصل بعد إلى مرحلة التعافي الشامل. هذا التقدم جاء نتيجة سلسلة من الإجراءات الجريئة التي أعادت النظام إلى سوق العملات، وخففت العبء المرتبط بالديون الخارجية، وهو ما انعكس إيجابًا على تقارير المؤسسات الدولية حول الاقتصاد المصري.

من أهم الدلالات الإيجابية، الحفاظ الذي أعلنته وكالة ستاندرد آند بورز على نظرتها المستقبلية الإيجابية تجاه مصر، على الرغم من التوترات الجيوسياسية والغموض الذي يسود الاقتصاد العالمي. يعبر هذا التقييم عن تزايد الاطمئنان إلى قدرة الدولة على الالتزام بديونها الخارجية والحفاظ على التوازن المالي، بعد عام شهد تحديات شديدة استدعت قرارات مدروسة وردود فعل فورية على التغييرات.

على المستوى العملي، حدث تغيير واضح في سوق الصرف الأجنبي، مع انخفاض كبير في التداولات غير الرسمية، وثبات سعر الصرف منذ بداية عام 2024. كذلك، ساهمت الزيادة في التدفقات النقدية الأجنبية من قطاعات السياحة والصادرات وتحويلات العاملين بالخارج في تعزيز احتياطي البنك المركزي، مما ساعد الاقتصاد على مواجهة الصدمات بشكل أفضل.

ويُعتبر تسديد حوالي 38 مليار دولار من الالتزامات الخارجية خلال عام واحد دليلًا قويًا على الالتزام بإدارة المالية العامة بجدية، وإشارة مطمئنة للأسواق والمستثمرين بأن مصر قادرة على الوفاء باستحقاقاتها دون التأثير على أركان الاستقرار.

بالرغم من أن الحديث عن تعافٍ شامل لا يزال سابقًا لأوانه، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن مصر قد تجاوزت أخطر مراحل الأزمة، وهو ما يتضح من تحسن التصنيفات الائتمانية وانحسار القلق حول قدرة السداد.

لكن الاختبار الحقيقي يكمن في الفترة القادمة، التي تحتاج إلى التحول من مجرد إدارة الأزمة إلى بناء نمو دائم، من خلال دعم الإنتاج الداخلي، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتوسيع نطاق الصادرات، مع توجيه الاستثمارات نحو مجالات ذات قيمة مضافة عالية مثل الطاقة المتجددة والصناعة والتكنولوجيا.

كذلك، يُعد تسريع الرقمنة، وإصلاح الهيكل الإداري، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص عوامل حاسمة لتحفيز النمو وتوفير فرص عمل جديدة، مما يضمن توزيعًا أوسع لفوائد الإصلاحات الاقتصادية.

في الختام، يبقى استمرار مسار التعافي مرتبطًا بالحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي، واعتماد سياسات مالية ونقدية أكثر مرونة، بالإضافة إلى مساندة الشرائح الأكثر تضررًا من الإصلاحات، لتحقيق توازن بين احتياجات النمو والعدالة الاجتماعية، وتعزيز فرص الوصول إلى أهداف رؤية مصر 2030.




بيانات الكاتب


اضافه تعليق