التنمية في مصر: رؤية نحو المستقبل
بقلم: د/ محمد مصطفى محيي – باحث في العلوم الاقتصادية
تعيش مصر مرحلة فارقة في تاريخها التنموي، حيث تتحول الرؤى والاستراتيجيات إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين في مختلف المحافظات. لم تعد التنمية مجرد خطط بعيدة المدى، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا شاملًا يشمل الدولة بمؤسساتها، والقطاع الخاص، والشباب باعتبارهم القوة المحركة للمستقبل. وفي هذه اللحظة التاريخية، تتقدم مصر بثقة نحو بناء دولة حديثة تمتلك مقومات النمو المستدام والقدرة على المنافسة في الإقليم والعالم.
وفي ترجمة مباشرة لهذا المشروع الوطني، شهدت السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية التحتية، التي أعادت رسم الخريطة الاقتصادية للبلاد. فشبكات الطرق والمحاور الجديدة لم تُنشأ فقط لتسهيل الحركة، بل لفتح مساحات واسعة للتنمية الصناعية والزراعية والخدمية، وربط الموانئ بالمناطق الاستثمارية، وتعزيز التبادل التجاري الداخلي والخارجي. أما المدن الجديدة، مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، فهي تقدم نموذجًا متطورًا للمدن الذكية التي تعتمد على الطاقة النظيفة والحوكمة الرقمية، مما يجذب الاستثمارات ويخلق فرص عمل نوعية.
وبالتزامن مع هذا التوسع العمراني والبنيوي، برز التحول الرقمي كأحد أهم أدوات التحديث في الدولة. فقد توسعت مصر في المنصات الحكومية الإلكترونية، وأنظمة الشمول المالي، وخدمات الدفع الرقمي، كما دعمت نمو الشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا والابتكار. ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات مثل الطاقة والنقل والتعليم، يتجه الاقتصاد المصري بثبات نحو اقتصاد معرفي يعتمد على البيانات والتطوير التكنولوجي
ولضمان استدامة هذه التحولات الكبرى، تحولت مصر في قطاع الطاقة من دولة تعاني من نقص كبير في الكهرباء إلى مركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط. جاء ذلك عبر الاكتشافات الغازية العملاقة، وتطوير محطات الكهرباء الحديثة، وتوسعة قدرات النقل والتوزيع. كما نجحت الدولة في تنفيذ مشروعات كبرى للطاقة المتجددة، مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية، الذي يُعد من أكبر المشروعات على مستوى العالم، في خطوة تعزز أمن الطاقة وتدعم أهداف التنمية المستدامة.
إن العنصر الأهم في استراتيجية التنمية هو بناء الإنسان، ولذلك يبرز الدعم الكبير الذي قدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي للشباب كأحد أهم عناصر دفع عملية التنمية. فقد تبنت الدولة رؤية تضع الشباب في قلب التنمية عبر مبادرات تهدف إلى تمكينهم وتزويدهم بمهارات المستقبل، خصوصًا في مجالات البرمجة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما تم إطلاق برامج متنوعة لدعم رواد الأعمال، وتوفير حاضنات أعمال ومسرّعات تكنولوجية تساعدهم على تأسيس شركات مبتكرة قادرة على المنافسة. ويأتي هذا التوجه إيمانًا بأن بناء الإنسان هو حجر الأساس لأي نهضة اقتصادية حقيقية.
واستكمالًا لجهود تطوير رأس المال البشري، يجري العمل على إعادة هيكلة منظومة التعليم الفني والجامعي وربطها باحتياجات سوق العمل. كما يجري تعزيز دور البحث العلمي والابتكار لخلق اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، بما يدعم القدرة الإنتاجية للدولة ويزيد من تنافسيتها.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، فقد اتخذت الدولة مجموعة من الإصلاحات الضرورية لتعزيز أداء الاقتصاد وتحقيق الاستقرار المالي، مثل تطوير المنظومة الضريبية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتحرير سعر الصرف، وترشيد دعم الطاقة. ورغم الأزمات العالمية المتلاحقة وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، تمكن الاقتصاد المصري من الحفاظ على مسار إصلاحي واضح وثقة دولية متزايدة، مما ساعد على جذب استثمارات جديدة وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود.
ختامًا، يتضح أن التنمية في مصر لم تعد مجرد مشاريع منفصلة، بل أصبحت رؤية شاملة تقوم على الإرادة السياسية، والتخطيط الاستراتيجي، والعمل المستمر. مصر اليوم تضع أساسًا حقيقيًا لدولة قوية حديثة، تبني اقتصادًا مرنًا يعتمد على التكنولوجيا والطاقة المتجددة ورأس المال البشري، وتصنع مستقبلًا مختلفًا للأجيال القادمة. الطريق طويل، لكن الخطوات ثابتة، والرؤية واضحة، والمستقبل يُصنع الآن.