" اقتصاد مصر الجديد ؛ التكنولوجيا والشباب محركا للنمو "
بقلم: دكتور محمد مصطفى محيي
باحث في العلوم الاقتصادية
شهد الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير مجموعة من التحولات العميقة، كان أبرزها التوسع في تبني خدمات وحلول التحول الرقمي. هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل جاء استجابة لتحديات اقتصادية متراكمة، ورغبة في بناء اقتصاد قادر على المنافسة في بيئة عالمية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تجميلي أو تحديث محدود لبعض الخدمات، بل أصبح محورًا أساسيًا لإعادة هيكلة الاقتصاد. فقد شهدت مصر توسعًا في رقمنة الخدمات الحكومية، ومنها تحديث منظومات الجمارك، وحوكمة الدعم، وتطبيقات السداد الإلكتروني، وهو ما أسهم في تقليل التكاليف وضبط الإنفاق وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.
كما شهد القطاع المصرفي طفرة في الخدمات الرقمية، من خلال توسع المحافظ الإلكترونية، ومنصات الدفع، والخدمات البنكية عبر الهاتف، الأمر الذي زاد من الشمول المالي وسهّل دمج فئات جديدة في الدورة الاقتصادية.
واحدة من أهم القضايا الاقتصادية هي بيئة الاستثمار. ومع توسع مصر في التحول الرقمي، أصبح المستثمر المحلي والأجنبي أكثر قدرة على إتمام الإجراءات عبر منصات إلكترونية، ما خفّف من الروتين، وساهم في تحسين ترتيب مصر في مؤشرات التنافسية الدولية.
كما أن التحول الرقمي ساعد على خلق فرص جديدة للشركات الناشئة في قطاعات مثل التكنولوجيا المالية والطاقة الذكية والخدمات الرقمية، وهي قطاعات تعد اليوم أكثر القطاعات قدرة على خلق وظائف عالية القيمة.
رغم المكاسب الواضحة، لا يمكن إغفال التحديات التي يواجهها الاقتصاد المصري، مثل الضغوط التضخمية، وتكاليف الإنتاج المرتفعة، وتذبذب سعر الصرف. لكن ما أراه هو أن الدمج الحقيقي للتكنولوجيا في الإنتاج والخدمات يمكن أن يكون أحد الحلول التي تساعد في تقليل أثر هذه التحديات.
فالتكنولوجيا اليوم تلعب دورًا مباشرًا في خفض الهدر، وتحسين الإنتاجية، وتقليل الوقت والتكلفة في سلاسل التوريد. كما أن الاعتماد المتزايد على الطاقة الذكية وحلول الذكاء الاصطناعي يوفر أدوات فعالة لإدارة الموارد بكفاءة أعلى.
وفي هذا الإطار، يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي دائمًا على أهمية دعم الشباب وتمكينهم من اكتساب المهارات الرقمية والبرمجة، مشيرًا إلى أن المستقبل الاقتصادي يعتمد على قدرة الشباب على التعامل مع التكنولوجيا. هذه الدعوة للرئيس تمثل رؤية واضحة لتطوير رأس المال البشري، وتوفير فرص تعليمية وعملية تتيح لهم المشاركة الفعالة في بناء اقتصاد المعرفة.
إن تشجيع الشباب على تعلم البرمجة والمهارات الرقمية ليس مجرد تعليم تقني، بل استثمار طويل الأمد في القوى البشرية التي ستقود مصر نحو اقتصاد أكثر حداثة وتنافسية.
وما يحدث اليوم في مصر ليس مجرد تحديث تقني، بل تحول اقتصادي شامل يعتمد على تبني التكنولوجيا كأساس للنمو. ورغم وجود تحديات واضحة، فإن الطريق نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة بدأ بالفعل، ويحتاج فقط إلى الاستمرار في بناء بيئة داعمة للرقمنة، وتشجيع الاستثمار، وتطوير التعليم.
إن قدرة مصر على التكيف مع المتغيرات العالمية، وربط النمو الاقتصادي بالتحول الرقمي، ستكون عاملًا حاسمًا في رسم ملامح اقتصاد المستقبل، والشباب هم العامل الرئيسي لتحقيق ذلك.